مشكل التعليم في الوطن العربي

اذهب الى الأسفل

مشكل التعليم في الوطن العربي

مُساهمة من طرف tatbirte في السبت ديسمبر 29 2007, 03:10

قد يكون المعلم المتسلط هو أكبر مشاكل التعليم في الوطن العربي، ومع أن قوانين التربية في كل الوطن العربي، تشدد على عدم التسلط الذي يتبعه بعض المعلمين، إلا أننا لا زلنا نجد بعضهم لا يزالون يتبعون السحق والقهر، حتى في حياتهم اليومية.
والتلقين، قد يكون أكبر مدعاة لوجود المعلم المتسلط، ويتبع التلقين العقاب والتخويف.

"إن التربية لتغدو طغياناً وظلماً إذا لم تؤد إلى الحرية". فالتربية الحديثة تجعل حظ الأطفال والمراهقين من الاستقلال في فعاليتهم الفردية أوسع ما يمكن، وحتى قبل أن يغدو الطفل قادراً على الاستقلال الحقيقي أي الاختيار العقلي الصحيح، إنها تفسح مجال الحرية الكاملة أمام حركاته على ألا تشكل خطراً عليه ولا تضايق من يعيش معه مضايقة بالغة.
والتربية الحديثة تضع الطلاب في جو حواري، فالطالب عندما يأخذ في الحوار يأخذ في التفكير ويبتعد عن الشخصي والذاتي باحثاً عن الحقيقة. في ذلك الجو التربوي فقط تتفتح الآراء وتنمو الشخصيات ويترسخ الاحترام المتبادل ويخف الضغط على الوعي الفردي مما يفسح المجال أمام الاقتناع الحر.
المدارس الحديثة في الغرب تواكب باستمرار التحولات الجذرية في المعرفة العلمية والإنسانية بحيث توفر للتلميذ أو الطالب كل شروط الاستقلال والتحرر، بدل تهيئته بهدف احتوائه بشكل كامل، كما هو الحال في الوطن العربي، عن طريق تدريبه على الترديد والحفظ بحيث لا يبقى مجال للتساؤل أو البحث أو التجريب.

فلا زالت الخرافة والتقاليد تتحكم في سلوك ونظرة الإنسان العربي المتعلم والقارئ وحتى الحائز على شهادات جامعية مختلفة. وبالتالي نلمس دائماً نوعاً من الازدواجية في شخصية العربي بين دور التعليم من جهة ودور الخرافة من جهة اخرى.

ولم يتحد التعليم بالشخصية العربية بعد، بل ظل في الكثير من الأحوال قشرة خارجية تنهار عند الأزمات لتعود الشخصية إلى نظرتها الخرافية. ولا شك أن العلة تكمن في نوعية التعليم وآليته في الوطن العربي ومدى تأثيره على تغيير الذهنية، فالمعرفة والحقائق لدى كثير من المثقفين والباحثين في الوطن العربي، فضلاً عن القارئ العادي، هي ما يقوله آخر حديث استمعوا له أو كتاب قرأوه، مما يدل على تقبل العقل العربي للمشاهد الفكرية بشكل مشابه لتقبل الرضيع للمشاهد الحسية البصرية دون إدراك اللاحق أو السابق منها.

إن الاستعداد للتلقي تتعلمه الذات العربية سواء عن طريق البيت أم المدرسة، وهو الأسلوب الوحيد في التعليم والتربية. والاهم ان نوعية ما يلقن او يدرس لم يعمل على تغيير عقلية المواطن العربي، ولم يحرره من عناصر التواكل والتلقي والخنوع.

والسبب في ذلك يرجع إلى طرق التدريس والتقييم، حيث ان الأستاذ هو المصدر الوحيد للمعرفة والتلميذ في وضعية المتلقي المستهلك ناهيك عن غياب محيط ثقافي متنور يحفز على المبادرة والخلق، الأمر الذي يترتب عليه فصل تام بين ما يكتسب في الأمكنة التعليمية والواقع اليومي.

ولا زال التعليم في مختلف مراحله وبشكل إجمالي سطحياً في معظم البلدان العربية في طرقه وفي محتوياته. ولا تزال طرق التعليم تلقينية إجمالاً تذهب في اتجاه واحد من المعلم، الذي يعرف كل شيء ويقوم بالدور النشط، الى التلميذ الذي يجهل كل شيء، فيفرض عليه دور التلقي الفاتر دون أن يشارك أو يناقش أو يمارس، ودون أن يعمل فكره فيما يلقن.

والتلقين من حيث هو طريقة تسلطية في التعليم تجعل التلميذ يستجيب باكتساب عادة الصم (أي الدراسة بالاستظهار). وما يدرسه الطفل بهذه الطريقة يحفظه كما هو، بمعنى أنه لا يتأثر بموضوع التعلم لأنه لا يهتم بفهمه وإدراكه بل باستنساخه وحفظه.

وبالطبع لا تساعد هذه الطرق على اكتساب الطفل التفكير النقدي الجدلي.. إنه في أحسن الأحوال يحفظ العلم دون أن يستوعبه، او يحفظ الامتحان دون أن تعد شخصيته بشكل علمي. وتصبح المعرفة بهذه الطريقة بالضرورة معرفة مجردة مطلقة ليس لها سوى علاقة واهية بتجارب الحياة اليومية.
وعملية التلقين تمارس بالضرورة من خلال علاقة تسلطية.. سلطة المعلم لا تناقش (حتى أخطاؤه لا يسمح بإثارتها وليس من الوارد الاعتراف بها) بينما على الطالب أن يطيع ويمتثل، إذ من النادر أن يجيب محيط المدرسة على تساؤلات الطفل الطبيعية حول أسرار الوجود وقوانين ظواهره المختلفة إجابة علمية رصينة.

والآلية المرافقة للتلقين هي العقاب الجسدي، (ولو أن كثيرا من قوانين التربية في بعض الدول العربية، قد حرمت العقاب الجسدي) والعنصر المشترك بين التلقين والعقاب هو أنهما يشددان على السلطة ويستبعدان الفهم والإدراك. أي يدفعان إلى الاستسلام ويمنعان حدوث التفاعل والتغيير، بدل أن يكون التعليم إطاراً مؤسسياً لإنتاج الفاعلية وروح الإبداع .

ولتأكيد سلطة المعلم في الصف فإنه يفرض على تلاميذه الضبط الشديد والقاسي.. الضبط القائم على الخوف. وطبيعي أن استعمال التوبيخ وغيرها من العقوبات تهدم شخصية الطفل وتقيد حركاته وسكناته باستمرار مما يخلق عنده الخوف من المعلم والوجل من العمل المدرسي ويؤدي ذلك إلى عرقلة عملية التعليم.

إن الصفعة التي يوجهها المعلم لتلميذه قد لا تكون مؤلمة بقدر ما هي وسيلة إذلال. فالمدرسة مكان للتأديب، أي لتقويم الطفل حسب المطلوب منه ليكون مؤدباً (فاتراً ومطيعاً وسلبياً) بواسطة الإرهاب والقمع وأحياناً التخويف، والمطلوب إذا من المدرسة العربية أن يسود فيها جو الهدوء التام المطلق والنظام الشامل في جميع أوقات الدراسة عن طريق الحكم القسري الشديد وبواسطة العقوبة.

ولا زال نجاح المعلم يقاس بمقدرته على توقيع العقوبات وإلقاء الأوامر الجافة على التلاميذ الهائجين وخضوعهم لها، (وهذا ما يعبرون عنه: بضبط الصف) . أما حب التلاميذ والتقرب منهم وإخضاعهم إلى نظام ينبع من سلوكهم ويفرضه عليهم وجدانهم فكانت ولا زالت فكرة بعيدة عن الأذهان .

وقد سمعت كثيرا، أنه من الدارج أيضاً في بعض الدول العربية، تخويف التلميذ بالأشباح والعفاريت في المدرسة حتى يقيدوا حركته ويصدوا حيويته التي تزعجهم. من هنا يبدأ كره المدرسة وتصبح إلى جانب أساليبها الثقيلة، غير محبوبة، يلاحق شبحها الولد حتى ما بعد الشباب. إذ كثيراً ما نلاحظ كثرة الأحلام المزعجة والكوابيس المرتبطة بالمعلم والمدرسة. وليس ذلك عند الطفل والمراهق فقط بل وحتى عند الراشد بعد تركه المدرسة.

إن طرق التلقين والعقاب والتخويف في التربية والتعليم في الوطن العربي لا تتفق مع المبادئ الديمقراطية التي هي أبسط المثل الإنسانية في العالم. لأن هذه الطرائق تلغي النقاش والندية والمساواة والحرية وتعطل الحس النقدي في الطالب.



إن المكانة الهامة للمعلم لا تأتي من كون المعلم إنساناً يعمل في مؤسسة اجتماعية فحسب بل تأتي كذلك من نوع العمل الذي يؤديه في تربية الناشئة وإعدادهم.

فحين يكون المعلم في أحسن حال فإننا ننتظر رؤية آثار ذلك لدى طلابه في جو التفاؤل والمرح والعمل المنتج الذي يستطيع إيجاده. أما إذا كانت حياة المعلم غير سعيدة فإننا لا نستغرب أن نراه يحمل آثار تعاسته إلى المدرسة والجامعة معه أحياناً.

وإذا رأيناه قاسياً في معاملة الأبناء داخل المدرسة في بعض الحالات، من دون أن يكون في ظاهر الأمور ما يدعو إلى ذلك، فإننا نستطيع عندئذ تشبيه حاله بحال الطالب الذي يحمل معه إلى المدرسة أحياناً آثار سوء التكيف الذي يمرّ به في البيت بسبب من ظروف حياة الأسرة.

إن كثيراً من الأفكار والسلوكيات التسلطية للمعلم عند مراجعتها نجد أنها في أكثر حالاتها تخفي أشكالاً من التربية التسلطية التي تعرض لها المعلم في طفولته ومراهقته سواء من عائلته أو أساتذته، أو التسلط الواقع عليه من المجتمع سواء في علاقاته برؤسائه أو مجالات حياته الأخرى، أو تخفي أشكالاً من الإحباط التي يعانيها المعلم.

قد يكون الوضع المالي للمعلم سيئاً من حيث الراتب والدخل، وقد يكون عدد ساعات عمله كبيراً، وقد يكون بناء المدرسة التي يعمل فيها سيئاً ولا يتوافر فيه شروط التعليم الصحيح، وقد يكون في وضع غير مناسب من حيث موقفه من عمله أو علاقاته مع البيئة الاجتماعية خارج المدرسة أو حياته في أسرته.
وهنا، فإني أذكر كثيرا من المعلمين، كانوا يعملون أعمالا أخرى بعد انتهاء دوامهم، والأغرب أن يعمل المعلم سائقا مثلا لحافلة يركبها بعض الطلاب، أو غير ذلك من الأعمال التي قد يراه فيها أحد طلابه.

كل هذه الظروف الواقعية تخلق مدرساً عصبياً متذمراً من مهنة التعليم.. وإن مدرساً كهذا يستحيل عليه العمل مع الأطفال والناشئين بهدوء وتفهم وحكمة.

صحيح أن هناك في المدارس والجامعات، معلمين يستطيعون أن يحببوا طلابهم بالمواضيع التي يدرسونها، وبالتالي يفرضون احترام الطلاب لهم، ولكن ما أريد قوله، أن التأخر حلقات متصلة ببعضها، فيجب أن لا نسمح للمعلم المستبد أن يتابع عمله وهو على تلك الحال.


tatbirte
عضو جديد
عضو جديد

عدد الرسائل : 13
العمر : 35
تاريخ التسجيل : 12/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى